ادب وثقافه وفن

أهمية الأسطورة في دراسة السلوكيات الشعبية القديمة

بقلم: نبهان رمضان
يظل السرد الشعبي ناقلا تراث الأمة قبل التأثر بالإسلام كما ذكر الأستاذ على خورشيد الذي عني بجمع التراث السردي قائلا : التراث القصصي محمل بالآثار الطقسية القديمة و بمعطيات أسطورية و ملحمية و درامية و عقائد و ثنية ثم أثر الإسلام كثيرا فيما بعد فى صياغة ولادتها الجديدة .
أكد على خورشيد أن الموروث القصصي الذي وصل إلينا غنيا و ثريا و كان مليئا بالعطاء الفني و القصصي . من أقدم أشكال السرد الشعبي الأسطورة.
تردد على الألسن كلمتا الأسطورة و خرافة بوصفهما كلمتان مترادفان ، فى الحقيقة إن الأسطوري و الخرافي متساويتان في معنيهما عند كثير من الناس كلهما يصور الشيء البعيد عن المنطق و المعقول لكن في الأنواع الأدبية الشعبية يتحتم علينا التفرقة التامة بين الأسطوري و الخرافي.
تهدف الأسطورة لإعادة النظام للحياة و تنتمي إلى سلوك روحي آخر غير الذي تنتمي إليه الحكاية الخرافية.
الأسطورة هي محاولة فهم الكون بظواهره المتعددة أو تفسير لهذا الكون.
تمتلك منطق فلسفي أولى تطور عنها فيما بعد علم الفلسفة حيث إنها تثير التعجب و تتولد التساؤل فإذا سأل الإنسان طلب الإجابة التي تحث على التأمل شأنها شأن الفلسفة.
تنوعت الأسطورة من حيث مضمونها إلى عدة أنواع منها الأسطورة الطقوسية التي تحتفي بالأفعال التي من شأنها أن تحفظ للمجتمع رخاءه ضد القوى المتعددة المهولة التي تحيط بالإنسان مثل أسطورة أوزوريس عند القدماء المصريين.
هناك أيضا الأسطورة الكونية التي تصف لنا الكون و خلق الكون مثل أسطورة التكوين البابلية
الأسطورة التحليلية التي يحاول فيها الإنسان البدائي يعلل ظاهرة ما تستدعى نظرة لكنه لا يجد تفسير مباشر من ثم يخلق حكاية أسطورية تشرح سر وجود هذه الظاهرة مثل ظاهرة الخط الأسود فى الفاصوليا.
الأسطورة الرمزية تتضمن رموز تستوحي التفسير . ألفت فى مرحلة فكرية أرقى من مراحل الأساطير السابقة، ليس فى الظواهر الكونية فقط أو الأجواء السماوية إنما يتعداها إلى العالم الأرضي و عالم الإنسان مثل أسطورة بشيشة و كيوبيد.
أسطورة البطل الإله و فيها يتم المزج بين الإنسان و الإله مهمة البطل الإله هي تنظيم الكون و المحافظة على الظواهر الطبيعية التي تعود على الإنسان بالخير مثلا أسطورة جلجامش فى العراق.
أشهر أنواع الأساطير هي أساطير الأخيار و الأشرار . كان يهدف الإنسان أن يكون بنفسه و لنفعه تفسير الحدود و فلسفة محدده الظواهر . الإنسان أصبح معني أو مهتم بفكرة الخير و الشر و كان ذلك منذ القدم.الخير هذا يتمثل فيما يعود على الإنسان من الظواهر الكونية بالنفع مثل المطر و شروق الشمس و مقدم الربيع أما الشر يتمثل فى الظواهر الكونية التي تعود على الإنسان بالضرر مثل الجدب و الظلام و مقدم الشتاء و الطوفان و غير ذلك.
تعتبر أسطورة ايزيس و اوزريس من الأساطير التي نتج عنها طقوس مارسها الشعب لعقود طويلة و مازالت تمارس حتى الآن بصورة أو أخرى تحاكي تلك الطقوس.
. ظل الشعب يحيي ذكرى بعث أوزوريس عن طريق رفعهم لشجرة ميتة تمثل شجرة الجميز التي نبتت حول صندوق أوزوريس فى النيل.
كما كانت النساء تصنع تمثالا لأوزوريس و يلقين به فى النيل أيضا إحياءا لذكرى طرحه فى الماء.
نوع آخر من الأساطير الإغريقية كمثال للأساطير الرمزية التي تحكى عن حنق و غضب الآلهة فينوس على بسيشية أجمل فتاة في الكون.
تحتوى هذه الأسطورة عن عدة رموز تتألف منها العناصر الأساسية للأسطورة بوجه عام. الآلهة تلعب الدور الرئيس فى حكاية الأسطورة.
فينوس ،كيوبيد، ديميتر، برسفونيه كلها رموز . لربط بين برسفونية و دهن الجمال و أواصر الصداقة بين برسفونية آلهة الربيع و بسيشية أجمل نساء الكون.
إن تجاوز بسيشية المحظور يكشف من ناحية أخرى غريزة المرأة التي لا تنعم بالراحة و الهدوء النفسي إذا اكتنفت حياتها الزوجية بعض الغموض. تظل تسعى إلى إزالة القناع عن هذا الغموض و إن كان ذلك على حساب قلبها و سعادتها.
بعد أن لاقت بسيشية صنوف العذاب تقوقعت داخل نفسها لتعيش مشكلتها . رمز ذلك في الأسطورة أنها راحت فى نوم عميق. لم يكن فى وسع أحد أن يخرجها من هذه الحالة النفسية سوى كيوبيد.
هذه تفسيرات تختص بعالم الإنسان لا بعالم الآلهة فهي قابلة للتغيير مع الزمن.
لا يستطيع أي دارس أو من يتناول الأساطير الشعبية على مستوى العالم ، تجاهل أسطورة جلجامش أو يتغافل عنها أو يتحاشها عمدا . إنها تفرض نفسها فرضا قويا و تحتل الصدارة بين أساطير العالم فى كل العصور القديمة و الحديثة.
اكتشفت أسطورة جلجامش بعد العثور على قطع متفرقة فى مكتبة قصر الملك آشور بانيبال فى نينوى عاصمة الدولة الآشورية التي كانت تقع على نهر دجلة فيما يقابله حاليا مدينة الموصل.
تتواصل الاكتشافات الأثرية نجاحها فى العثور على ملحمة جلجامش كاملة فى إحدى عشر لوحا مكتوبة باللغة الأكادية.
عندما نشرت لأول مرة فى مجلة المكتبة الآشورية فى عام 1884 بواسطة بأول هوست كانت تحت عنوان (ملحمة النمرود).
استطاع الباحث ب. ينش من نشر الملحمة كاملة كأول كاتب ينشرها كاملة ثم أعقب ذلك بدراسة لها و تعليق عليها.
أسطورة الإنسان الإله و أسطورة الإنسان الحيوان و أسطورة الصراع بين آلهة الحب و البطل الجميل ثم أسطورة القوتان بطريقة شاعرية و فلسفية معا للتعبير عن فكرتها الكبرى. كفيلة بأن تخلد بل أن تقف جنبا إلى جنب مع أجمل الآثار الأدبية العالمية.
ميلاد البطل
عندما يغوص باحث ما فى دراسة الأساطير و يقرأ دراسات عدة عن هذا الأدب، يدرك تماما أنه إذا ما لمس ظاهرة ما فى هذا الأدب الشعبي حتما يكون لها أساس نفسي جدير بالتقصي و وضع تفسير من تم رصد ظاهرة لا يمكن تجاهلها من معظم الدارسين للأساطير إن لم يكن كلهم تقريبا . ألا و هي ظاهرة ميلاد البطل فى كل أشكال الأدب الشعبي و تحليل هذه الظاهرة الجديرة بتلك الدراسات.
البطل الذي يرفضه المجتمع بكل طوائفه كأنه ولد غريبا لكنه يستطيع أن يجبر الجميع على احترامه و تبجيله بعد التغلب على كل الصعوبات و تحقيق نجاحات لم يحققها غيره يسهم بها فى إتمام الصورة المكتملة للحياة.اسب له
تحيز كل دارس لهذه الظاهرة لتخصصه و فسرها من واقع هذا التخصص فهؤلاء الذين يفسرون الأساطير و الحكايات الشعبية تفسيرا طبيعيا يجدون فى تلك الظاهرة تشخيصا لظواهر طبيعية كأن ميلاد البطل رمزا لشروق الشمس و هي تجتاز طريقها فى الظلام. كما أن هؤلاء الذين حاولوا جهدهم أن يبحثوا عن الأصل الأول للأسطورة. يرون أن هذه الظاهرة ليست سوى انتشار للنمط الأسطوري الأول للأسطورة الذي ربما نشأ فى بلاد الهند و منهم من اقتصر على دراسة هذه الظاهرة من الجانب الفلكلوري. أما الذين حاولوا تعمق هذه الظاهرة و تفسيرها و توضيحها بجدية تامة فهم علماء النفس الذين خصصوا جزءا كبيرا من أبحاثهم حول هذه الدراسات و تخص منهم بصفة خاصة (اوتو رانك) و( س.ج.يونج) و ربما قدمت لنا هذه الدراسات النفسية التفسير المقنع الوحيد لتلك الظاهرة التي لم تقتصر على أدب شعبي محلى دون غيره .
نخص نموذج الخاص بالأسطورة بنوع واحد من الأساطير ، أسطورة البطل المؤلمة.
أسطورة تحكى ميلاد الملك سرجون الأول و الملامح الأساسية لحياة هذا البطل يحكيها هو بنفسه وفقا للمخطوط الذي عثر عليه قائلا : أنا سرجون الملك القوى ولدت من أمي العذراء البتول، أما أبى فلا أعرفه ولدتني أمي فى بلدة ازوريبانى على نهر الفرات ثم أخفتني بمجرد ولادتي فى مكان خفي و بعد ذلك وضعتني داخل صندوق و طرحتنى فى الماء و حملنى الماء إلى السقا عكي و احتضنني عكي بقلبه الرحيم و جعلني بستانيا لحدائقه . أبصرتني عشتروت و أنا أعمل فى الحديقة و احبتنى و جعلتني ملكا )
أما أسطورة باريس فتحكى أن بريام ملك طروادة ولد له من زوجته هيكوبا ولد سماه هكتور و قبل ولادة هكتور رأت أمه فى منامها أنها حضرت كمية من الخشب و أشعلت فيها نارا أحرقت المدينة فلما طلب بريام تفسير رؤياه .أخبر بأنه سيولد له ولد شرير و لذلك فقد نصحه المفسرون بأن يبعد ابنه عنه بمجرد ولادته فما أن ولد الولد أعطاه بريام لعبد له يدعى اجيلاوس و طلب منه أن يحمله إلى قمة الجبل (إذا) و يتركه هناك رعت الطفل دابة مدة خمسة أيام ثم مر العبد بعد ذلك بالجبل فوجد الطفل سليما فحمله معه إلى منزله و سماه باريس و لما كبر باريس و اشتد ساعده و ظهرت أمارات بطولته،أطلق عليه اسم الإسكندر و عرف الابن حقيقة مولده بعد ذلك أقام بريام مسابقة فى المبارزة ووعد الفائز بجائزة سخية .اشترك باريس فى المبارزة و كسبها و فى الحال تعرف الأب على ابنه و أصبح الطريق ممهدا للابن لأن يصبح ملكا.
أيضا نجد فى الحكايات الخرافية إبعاد الطفل فهو يولد لأبوين مرموقين، إذ أن والده غالبا ما يكن ملكا أو زعيما و تلعب النبوءة دورها قبل ولادته، تلك النبوءة التي تطلع الأب و الأم على الدور الخطير الذي سيلعبه الابن و استجابة لهذه النبوءة فإن الطفل يبعد بمجرد ولادته و تتفق كثير من الحكايات على أنه يلقى فى صندوق و يطرح فى الماء لكن الطفل ينقذه فيما بعد إنسان رحيم فقير و بعد أن يكبر الطفل يكتشف نسبه و يحاول أن ينتقم من هؤلاء الذين تسببوا فى إبعاده ثم يتعرف على أبيه فيما بعد أو يتعرف على أهله و ينضم إلى صفوفهم.
تبدو علاقة البطل بأبيه خاصة و هامة فى كل الأساطير و قد رأى رانك تفسير هذا الاضطراب من خلال طبيعة البطل و قد دعاه هذا لأن يغوص فى النظريات الفرويدية التي ترد مثل هذه الأحوال دائما إلى اللاشعور و ما يستكن فيه منذ أيام الطفولة. إذ أن الأسطورة ليست سوى تعبير خيالي عن اللاشعور الجمعي الذي يعيش فى نفس خالق الأسطورة و هو يشبه إلى حد كبير الخيال الطفولي و إن تكن الأسطورة أكثر تمييزا و تعقيدا و على ذلك فبطل الأسطورة يمثل أنا الطفل كما أن هذا البطل لا يمثل سوى شخصية خالق الأسطورة أو هو يمثل على الأقل جانبا من شخصيته و من هنا يبدأ رانك فى عقد مقارنة بين تجربة الطفل المبكر حتى يصل إلى مرحلة تحقيق ذاته و بين تجارب البطل الأسطوري منذ أن يولد بل قبل ولادته حتى يصبح بطلا مرموقا مستقلا كل الاستقلال.
الأبحاث النفسية أثبتت أن هناك من يفشل فى تحقيق الانتزاع الطفل من سلطة الأبويين و خاصة سلطة الأب طبقا للنظرية الفر ودية التي يميل فيها الطفل لأمه حتى فى مرحلة النضج الكامل.
رانك يفسر ولادة الطفل وعداء الأب للطفل أو العكس طبقا للنبوءة التي تحتويها الأسطورة على أنه إسقاط ،إذا كانت الأسطورة و مثلها الحكايات الخرافية و الشعبية غالبا ما تصور والد الطفل ملكا أو زعيما كما أنها تكشف عن حقد على هذا الابن الذي سيصبح بطلا كما تقول النبوءة فليس بعد هذا تعبير عن سيطرة الأب تلك السيطرة التي يشعر بها الطفل فى زمن مبكر. و على ذلك فعملية استقلال الطفل عن الأب تتم حقا فى الأسطورة من وجهة نظر رانك . أما ظاهرة الطفل الذي يوضع فى الصندوق و يطرح به فى الماء فإن رانك يفسر ذلك من خلال دراسة علماء النفس للأحلام التي تثبت أن الماء رمز الميلاد و أن الصندوق رمز لرحم الأم و فى هذا تعبير آخر عن أن الطفل و إن كان انفصل عن أبيه إلا أنه مازال متعلقا بأمه. ثم يعثر إنسان رحيم على الطفل و يأخذه و يرعاه كما أن زوجته تتولى رعايته حتى يكبر هذا ما يتم فى أغلب الحكايات، طبقا لتفسير رانك، رمز لمرحلة من النضوج تلي المرحلة السابقة و هي التي ينظر فيها الابن لأبوية نظرة عادية تخلو من الإحساس بكره الأب أو من الارتباط القوى بالأم و هي مرحلة تؤدى بدورها إلى النضوج الكامل و الاستقلال و تحقيق الذات كما يحدث للبطل حينما يتم له تحقيق أهدافه و يصبح بطلا مرموقا و فى المرحلة الأخيرة يتعرف على البطل على والديه و يعلن الولاء لهما.
هناك بعض العلماء النفس يرون أن تطبيق نظريات فرويد الجنسية على كل الظواهر النفسية و على كل تعبير أدبي فيه تعسف و من ثم فقد خرج هؤلاء بنظريات أكثر شمولا من نظريات فرويد.
كان يونج أحد هؤلاء العلماء الذي رأى أن الأدب الشعبي بكل أشكاله لا يعبر عن مشكلة جزئية و إنما تعبر عن مشكلة كلية شبيهة بكلية الكون الذي نعيشه و حينما حاول الإنسان الأولي أن يعبر عن إحساسه بالكون المهول الذي يحيط به إذا به يخلق صورة مصغرة للكون يترجمها إلى أفعال و كلمات تفسر الأصل الكلى حيث يبدأ كل شئ و الأصل النسبي حيث يعد هو استمرار لأجداده.
إننا لا نعرف أنفسنا كما يقول يونج إلا قليلا و لذلك فنحن نفاجأ بتلك العجائب التي نختزنها داخل أنفسنا ،أما الإنسان البدائي فلم يكن فى حيرة من أمره. إذ لم يبدأ الفرد يسأل نفسه ما الإنسان إلا متأخرا. إنه لم يكن لينفصل عن أعماقه و عن جذوره و قد حدث إسقاط لهذا الإحساس فى النموذج الأصلي للطفل الذي يعبر عن الحياة الكلية و عن الإنسان الكامل. الطفل يبعد و ينفى و يسلم عاجزا إلى القوى المهولة و لكنه مع ذلك يمتلك قوة إلهية و هو يبدأ حياة بدايتها غريبة و نهاياتها غير مؤكده و مع ذلك فإن حياته تنتهي بالوضوح و الانسجام التام.
قدمنا تفسيران لميلاد البطل الأسطوري و إن اختلفا فى الأساس إلا أنهم يعطيان الأهمية لظاهرة ميلاد البطل فى الأسطورة و الحكايات الخرافية و الحكايات الشعبية.
مازالت هذه الظاهرة (ميلاد البطل) رمزا يحتاج لتفسيرات أخرى و ما أشد حاجتنا أن نتفهم الهدف من رموز الأدب الشعبي كله . كما يقول كرينى العالم كله يتحدث من خلال الرمز.
إذا الأسطورة لم تولد من فراغ، يمكننا من خلالها نستنتج أفكار السابقين و سبل حياتهم كرصد انثربولوجي لحياة الأوائل.
بقلم: نبهان رمضان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى